فخر الدين الرازي

329

المطالب العالية من العلم الإلهي

المسألة السابعة في استقصاء الكلام في حقيقة الأزل والأبد اعلم أن هاتين اللفظتين مختصرتان ، ولأجل اختصار هما لا يقف العقل على تمام المعنى المقصود من لفظ الأزل والأبد . والعلماء ذكروا أمثلة كثيرة كاشفة عن حقيقة هذا المعنى . فالمثال الأول : قالوا : لو فرضنا أن داخل الفلك الأعظم كان مملوءا من حبات الجاورس « 1 » ، وفرضنا أن في كل ألف ألف سنة تفنى حبة واحدة من تلك الحبات ، ثم فرضنا اجتماع هذه الحبات بأسرها على كثرتها ، وامتناع وقوف العقل على جزء من أجزائها ، ثم قابلنا ذلك المجموع بالمعنى المفهوم من الأزل ، كان ذلك المجموع بالنسبة إلى الأزل ، كالعدل بالنسبة إلى الوجود . وذلك لأن ذلك المجموع وإن بلغ في الكثرة إلى الحد الذي يعجز العقل عن الإحاطة بالجزء القليل منه ، إلا أن العلم البديهي حاصل بأنه إنما يتولد من ضم المقادير المتناهية بعضها إلى بعض : مرات متناهية ، والمجموع الحاصل من ضم المتناهي إلى المتناهي يكون متناهيا . فهذا المجموع له أول . واللا نهاية واللاأولية غير متناهية . والمتناهي بالنسبة إلى [ غير ] « 2 » المتناهي ، يكون كالعدم في مقابلة الوجود . وهذا المثال

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) .